فصل: من مجازات القرآن في السورة الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فصل في تخريج الأحاديث الواردة في السورة الكريمة:

قال الزيلعي:
سورة والضحى ذكر فِيهَا سِتَّة أَحَادِيث:
1500- الحَدِيث الأول:
رُوِيَ أَن الْوَحْي تَأَخّر عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَيَّامًا فَقال الْمُشْركُونَ إِن مُحَمَّدًا ودعه ربه وقلاه.
وَقيل إِن أم جميل امْرَأَة أبي لَهب قالت لَهُ يَا مُحَمَّد مَا أرَى شَيْطَانك إِلَّا قد تَركك فَنزلت.
قلت رَوَى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن الْأسود عَن قيس عَن جُنْدُب بن عبد الله البَجلِيّ قال أَبْطَا جِبْرِيل عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقال الْمُشْركُونَ قد ودع مُحَمَّد فَأنزل الله تعالى: {والضحى وَالليل إِذا سجى} إِلَى آخرهَا. انتهى.
وَرَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي التَّهَجُّد وَفِي التَّفْسِير وَمُسلم فِي الْمَغَازِي بِهَذَا السَّنَد قال احْتبسَ جِبْرِيل عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَجَاءَت امْرَأَة فَقالت يَا مُحَمَّد إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك فَأنْزل الله: {والضحى وَالليل} إِلَى آخرهَا. انتهى.
وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث زيد بن أَرقم أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مكث أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَأَتتهُ امْرَأَة أبي لَهب فَقالت يَا مُحَمَّد مَا أرَى صَاحبك إِلَّا قد وَدعك وَقَلَاكَ فَأنْزل الله تعالى: {والضحى} إِلَى آخرهَا مُخْتَصرا وَقال صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
وَرَوَى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره حَدِيث التِّرْمِذِيّ بِسَنَدِهِ وَمَتنه.
وَرَوَاهُ أَيْضا ثَنَا أَحْمد بن كَامِل ثَنَا مُحَمَّد بن سعد ثني أبي ثَنَا عَمى ثَنَا أبي عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي قوله: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} قال أَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيل أَيَّامًا فَعير بذلك وَقال الْمُشْركُونَ ودعه ربه وقلاه فَأنْزل الله: {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}. انتهى.
1501- الحَدِيث الثاني:
رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ جَنِين قد أَتت عَلَيْهِ سِتَّة أشهر وَمَاتت أمه وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين فَكَفَلَهُ عَمه أَبُو طَالب وَعطفه الله عَلَيْهِ فَأحْسن تَرْبِيَته.
قلت غَرِيب.
وَرَوَى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي كتاب الْفَضَائِل من طَرِيق ابْن إِسْحَاق حَدثنِي مطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمَة عَن أَبِيه عَن جده أَنه ذكر ولادَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقال توفّي أَبوهُ وَأمه حُبْلَى بِهِ انتهى وَقال صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ.
وَفِي السِّيرَة قال ابْن إِسْحَاق ثمَّ لم يلبث عبد الله بن عبد الْمطلب أَن هلك وَأم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَامِل بِهِ وَقال ابْن إِسْحَاق أَيْضا وَتوفيت أمه وَهُوَ ابْن سِتّ سِنِين وَقال أَبُو عمر سبع سِنِين وَقال قال مُحَمَّد بن حبيب المحبر توفيت أمه وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين من سيرة أبي الْفَتْح الْيَعْمرِي.
وَقال السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف وَأكْثر الْعلمَاء عَلَى انه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ توفّي أَبوهُ وَهُوَ فِي المهد كَمَا ذكره الدولابي وَغَيره. انتهى.
وَقال ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَالْأول أثبت انه عَلَيْهِ السَّلَام توفّي أَبوهُ عبد الله وَهُوَ حمل.
1502- الحَدِيث الثَّالِث:
قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «جعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي».
قلت رُوِيَ من حَدِيث ابْن عمر وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَمن حَدِيث انس ابْن مَالك.
أما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ الأمام احْمَد وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَأَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مسانيدهم وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان فِي الْبَاب الثَّالِث عشر من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان ثَنَا حسان بن عَطِيَّة عَن أبي منيب الْحَرَشِي عَن عبد الله بن عمر قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بَين يَدي السَّاعَة بِالسَّيْفِ حَتَّى يعبد الله تَعَالَى وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذل وَالصغَار عَلَى من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم» انتهى.
وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْجِهَاد تَعْلِيقا فَقال بَاب مَا قيل فِي الرماح وَيذكر عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بَين يَدي السَّاعَة...» إِلَى آخِره.
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث صَدَقَة بن عبد الله عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذل وَالصغَار عَلَى من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم» انتهى.
ثمَّ قال لم يُتَابع صَدَقَة عَلَى رِوَايَته هَذِه وَغَيره يرويهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ مُرْسلا انتهى.
وَأما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه تَارِيخ أَصْبَهَان فِي تَرْجَمَة احْمَد ابْن مَحْمُود فَقال ثَنَا الْحجَّاج بن يُوسُف بن قُتَيْبَة ثَنَا بشر بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ ثَنَا الزُّبَيْر بن عدي عَن أنس بن مَالك قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بَين يَدي السَّاعَة وَجعل رِزْقِي تَحت ظلّ رُمْحِي وَجعل الذل الصغار عَلَى من خَالف أَمْرِي وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم» انتهى.
1503- الحَدِيث الرَّابِع:
فِي الحَدِيث: بِأبي وَأمي هُوَ وَالله مَا كَهَرَنِي.
قلت رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه فِي كتاب الصَّلَاة من حَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ قال بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ عطس رجل من الْقَوْم فَقلت يَرْحَمك الله فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ فَقلت وأثكل أمِّياه مَا شَأْنكُمْ تنْظرُون إلى فَجعلُوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم عَلَى أَفْخَاذهم وَلما رَأَيْتهمْ يُصمتُونِي لكني سكت فَلَمَّا صَلَّى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فبأني هُوَ وَأمي مَا رَأَيْت معلما قبله وَلَا بعده أحسن تَعْلِيما مِنْهُ فوَاللَّه مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قال: «إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقراءة القرآن» الحَدِيث بِطُولِهِ.
قال الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح الْكَهْر الِانْتِهَار قال وَمِنْه قراءة ابْن مَسْعُود فَأَما اليتيم فَلَا تَكْهَر وَفَسرهُ المُصَنّف بالعبس.
1504- الحَدِيث الْخَامِس:
عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا رددت السَّائِل ثَلَاثًا فَلم يرجع فَلَا عَلَيْك أَن تزبره».
قلت رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ ثَنَا إِسْمَاعِيل بن أبي الْعَبَّاس الْوراق ثَنَا عباد بن الْعَوام ثَنَا الْوَلِيد بن الْفضل الْعمريّ ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي حسن ثَنَا ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا رددت السَّائِل ثَلَاثًا فَلَا بَأْس أَن تزبره» انتهى.
ثمَّ قال الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ الْوَلِيد قال ابْن حبَان يروي الْمَنَاكِير الَّتِي لَا يشك أَنَّهَا مَوْضُوعَة انتهى.
وَرَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره أخبرنَا ابْن فَنْجَوَيْهِ ثَنَا عبد الله بن يُوسُف ثَنَا الْحسن بن علي بن زَكَرِيَّا الْقرشِي ثَنَا قُتَيْبَة بن مجَالد ثَنَا حبَان بن علي ثَنَا طَلْحَة ابْن عَمْرو عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا رددت السَّائِل ثَلَاثًا فَلم يرجع فَلَا عَلَيْك أَلا تنهرهُ» انتهى.
قال ابْن الْجَوْزِيّ وَقد رُوِيَ من حَدِيث عَائِشَة ثمَّ سَاق من طَرِيق عبد الْغَنِيّ ابْن سعيد الْحَافِظ بِسَنَدِهِ إِلَى وهب بن زَمعَة الْقرشِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قالت قال لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَة إِذا رددت السَّائِل ثَلَاثًا فَلم يذهب فَلَا بَأْس أَن تزبريه» انتهى.
ثمَّ قال قال عبد الْغَنِيّ وهب ابْن زَمعَة هَذَا هُوَ وهب بن وهب القَاضِي قال ابْن الْجَوْزِيّ وَكَانَ يضع الْأَحَادِيث قال وَمن المصائب الْعَظِيمَة فِي الدَّين تَدْلِيس اسْم الْكذَّاب انتهى.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْوسط فَقال ثَنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد ثَنَا نعيم ثَنَا عمار بن رَجَاء ثَنَا أَحْمد بن أبي طيبَة ثَنَا حبَان بن علي عَن طَلْحَة ابْن عَمْرو عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذا رددت السَّائِل ثَلَاثًا فَلَا عَلَيْك أَن تزبره» انتهى.
1505- الحَدِيث السَّادِس:
عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سُورَة والضحى جعله الله فِيمَن يرضى بِمُحَمد أَن يشفع لَهُ وَعشر حَسَنَات يَكْتُبهَا الله بِعَدَد كل يَتِيم وَسَائِل».
قلت رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره من حَدِيث مُحَمَّد بن عمرَان بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي لَيْلَى ثنى أبي عَن مجَالد بن عبد الواحد عَن الْحجَّاج بن عبد الله عَن أبي الْجَلِيل عن علي بن زيد وَعَطَاء بن أبي مَيْمُونَة عَن زر بن حُبَيْش عَن أبي بن كَعْب... فَذكره.
وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره بسنديه فِي آل عمرَان.
وَرَوَاهُ الواحدي فِي الْوَسِيط بِسَنَدِهِ فِي يُونُس. اهـ.

.فصل في ذكر آيات الأحكام في السورة الكريمة:

قال إلكيا هراسي:
ومن سورة الضحى:
قوله تعالى: {فَأَمَّا اليتيم فَلا تقهر}، الآية/ 9:
يحتمل أن يكون نهيا عن قهره وظلمه وأخذ ماله، وخص اليتيم بالذكر، لأنه لا ناصر له إلا اللّه، فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه.
وأما قوله: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تنهر}، الآية/ 10.
فيه نهي عن إغلاظ القول له، لأن الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول. اهـ.

.من مجازات القرآن في السورة الكريمة:

.قال ابن المثنى:

سورة والضحى 93:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{وَالليل إِذا سجى} (2) إذا سكن، يقال: ليلة ساجية وليلة ساكنة.
قال الحادي:
يا حبّذا القمراء والليل السّاج ** وطرق مثل ملاء النسّاج

[944].
{ما وَدَّعَكَ} (3) من التوديع وما ودعك مخفّفة من ودعت تدعه..
{وَما قلى} (3) أبغض..
{عائلا} (8) ذا فقر، قال:
وما يدرى الفقير متى غناه ** وما يدرى الغنىّ متى يعيل

(287) أي يفتقر. اهـ.

.قال الشريف الرضي:

ومن السورة التي يذكر فيها الضحى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.[سورة الضحى: الآيات 1- 2]

{والضحى (1) وَالليل إِذا سجى (2)}
وقوله تعالى: والضحى وَالليل إِذا سجى [1، 2] وهذه استعارة. ومعنى سجى، أي سكن. والليل لا يسكن، وإنما تسكن حركات الناس فيه، فأجرى سبحانه صفة السكون عليه لما كان السكون واقعا فيه. وقد مضى الكلام على نظائر ذلك. اهـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة الضحى:
وصف القرآن في آيات كثيرة منه بأنه نور {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا}. {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}. ولاشك أن الوحى الأعلى كان شروقا دائما على قلب محمد، ظل معه إلى آخر العمر! ربما تريث الوحى مرة أو مرتين لأسباب طبيعية. وقد حدث ذلك في أوائل نزوله. فهل يعنى ذلك أن رب محمد كرهه؟ كذلك زعم خصوم الرسالة! فنزلت هذه السورة {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى}.
قال العلماء وفى هذين القسمين إشارة إلى وقت نزول الوحى ووقت توقفه، ولابد من استجمام وراحة لأن نزول الوحى تصحبه معاناة. ولا مكان هنا لترك أو كراهية {وللآخرة خير لك من الأولى}. في أول الرسالة كان النبي صلى الله عليه وسلم يربى أناسا يعدون على الأصابع، ثم أخذت دائرة الدعوة تنداح فإذا هو يقوم على تكوين أمة كبيرة. كانت هذه الأمة هي الدعائم المختفية في التراب للبناء الإسلامى الشامخ الباقى إلى قيام الساعة. لقد استقبل خلال ذلك وحيا كثيرا وتحمل جهودا مضنية، حتى غير التاريخ العام وأنشأ حضارة أخرى. والكتاب الذي صنع ذلك مازال بين أيدينا شاهد صدق على عظمة الإسلام ورسوله. {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ما نوع هذا العطاء؟ لقد مات إبان المعركة الدائرة مع الكفر، ودفن في حجرة ملحقة بالمسجد، وخرج من الدنيا وحلوائها كما تخرج الشعرة من العجين ما علق به شيء منها! وترك للأوفياء من رجاله أن يمضوا على الطريق لا يعوقهم شيء، فلقيت جمهرتهم الله على التوحيد والتقوى.
إن الله قال لموسى من قبل {ولتصنع على عيني}.
وقال لمحمد- بعدما حمله رسالة هائلة- {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم} والله الذي يتولى تربية الأنبياء يختارهم من معادن نفيسة ثم يصقلهم في حياتهم بالأحداث الشداد، وهو أولى بهم منهم..! {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى} الضلال المقصود الحيرة في معرفة الطريق وقيادة العالم. ومحمد والأنبياء جميعا معصومون من الضلال الذي هو ظلمة النفس ووضاعة السلوك. وما ينسب إليهم في بعض الكتب محض افتراء.. ثم إن الله أغناه عن الناس فعاش مكفول الضرورات، ولكنه ليس صاحب كنوز، بل ليس صاحب فضول! وبعد أن ذكره الله بنعمته السابقة واللاحقة، قال له {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث} والتحديث بالنعمة كقوله في سورة أخرى {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} إنك مختار لتبليغ رسالة وإنقاذ عوالم من الناس، فحدث فلست كاهنا ولا متكلفا..! {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل}. اهـ.